الناطق الرسمي باسم الكنيسة الأرثوذكسية في القدس والأراضي المقدس
س . 1 ما هي العلاقة بين فلسطين والقدس والثقافة المسيحية ؟
عندما نتحدث عن فلسطين وقلبها النابض القدس إنما نتحدث عن مهد المسيحية فالمسيحية انطلقت من بلادنا ولعل أهم الأحداث المرتبطة بحياة السيد المسيح على الأرض حدثت في القدس ، وكذلك في بيت لحم والناصرة وطبريا وقانا الجليل وأريحا ونابلس وغيرها من المدن والبلدات في بلادنا المقدسة .
فالمسيحية ديانة نشأت وتأسست في فلسطين و الإنجيل المقدس لم نستورده من أي مكان آخر في العالم ففي بلادنا كُتِب ، والأحداث المدونة فيه حصلت هنا ، كما الإنجيليين والرسل هم أبناء هذه البلاد التي فيها عاشوا وفيها دونوا ما سمعوه ورأوه عن حياة السيد .
نحن لم نستورد المسيحية من الغرب بل أجدادنا هم الذين صدّروا المسيحية إلى العالم إلى مشارق الأرض ومغاربها ، فالمسيحية ديانة فلسطينية بامتياز ولكنها ليست موجودة من أجل فئة أو طائفة أو جماعة محددة من الناس ، فهي رسالة روحية خلاصية موجهة إلى كافة الخلائق والى كافة أبناء البشر بغض النظر عن انتماءات إثنية أو عرقية ، فعندما يتحدثون عن المسيحية وروحانياتها ولاهوتياتها و أدابها وثقافتها نفكر دائما بهذه البقعة المقدسة من العالم التي تسمى فلسطين والتي نعتبرها موطىء الوحي ، والأرض التي تقدست وتباركت بحياة السيد المسيح ورسله وتلاميذه وكافة الشهداء الذين سقطوا دفاعا عن العقيدة والإيمان .
إن الذي يقرأ عن الكنيسة المسيحية يلمس بأن هنالك مراكز مسيحية هامة في العالم أهمها روما والقسطنطينية و أنطاكية والإسكندرية وغيرها ، ولكن المركز المسيحي الأساسي الأول للمسيحية هو القدس التي يسميها القديس يوحنا الدمشقي أم الكنائس فهي العاصمة الروحية للمسيحيين التي تحتضن ضريح السيد المسيح ومكان صلبه ودفنه وقيامته ، والثقافة المسيحية مرتبطة بالزمان والمكان فنحن في بلادنا المقدسة نرى بأن التعاليم المسيحية التي بشر بها في العالم بأسره أرسى قواعدها أولا وقبل كل شيء السيد المسيح ومن استلم هذه الوديعة من تلاميذه الأبرار الذين واصلوا تأدية رسالتهم الروحية .
س . 2 تحدث عن المسيحية كثقافة شرقية ؟
أولا يجب أن نؤكد بأن المسيحية هي إيمان وعقيدة تهذب الأخلاق وتعيد للإنسان إنسانيته المفقودة بسبب ابتعاده عن الله وتعاليمه وشرائعه ، فالديانة هي دستور حياة للإنسان ، فإذا ما تحلى بالقيم الدينية الروحية كان إنسانا مخلصا دمثا متواضعا ومحبا ، أما غياب الله عن حياة الانسان فهذا يجعل فراغا كبيرا في وجوده وحياته وكينونته ، وبما إن المسيحية انطلقت من مشرقنا العربي وبنوع خاص من فلسطين وقلبها النابض القدس ، فلذلك نرى بأن للمسيحية وأخلاقياتها وسلوكياتها أثر كبير على الثقافة المشرقية ،إذ أننا يمكننا وصف هذه الديانة بديانة مشرقية نحن لم نستوردها من أي مكان آخر ، وإنما من الشرق نبعت وفي الشرق تأسست ومنه انطلقت إلى العالم بأسره .
س. 3 هل هنالك أثر للمسيحية في الثقافة الأوروبية والحضارة الغربية ؟
بالطبع نعم لاسيما وأن هنالك كنائس أصيلة لها جذور عميقة في أوروبا خاصة وفي الغرب عامة ، ولكن علينا أن نميز بين أمرين هامين أولهما أنه لا يوجد هنالك غرب مسيحي ، وإنما هنالك مسيحية في الغرب ، فالغرب سياساته وثقافته لا تستند على المسيحية فقط ، وإنما هنالك تيارات متعددة موجودة لها تأثيراتها على الثقافة والفكر الغربيين ، لا بل في بعض البلدان الغربية نرى المسيحية بأنها تمثل أقلية من الملتزمين دينيا وممارسين لحياتهم المسيحية ، ولذلك لا يجوز إطلاقا ربط ما يحدث في الغرب أو ما يقوم به الغرب وكأنه يتم بناء على ثقافة أو فكر مسيحي ، فالمسيحية في كثير من الأحيان لا تقبل بعض الممارسات التي يقوم بها الغرب ، ولذلك لا يجوز إطلاقا أن نربط المسيحية بسلوكيات الغرب ، فهذا ظلم بحق المسيحية التي لا تقبل الكثير من الممارسات خاصة المتعلق منها بالاحتلال والاستعمار والهيمنة على الشعوب المستضعفة في هذه الدنيا ، ولكن يبقى هنالك حضور للكنيسة ويبقى هنالك صوت للكنيسة في بعض الدول الأوروبية ، وقد يتفاوت هذا الحضور بين دولة وأخرى ، فهنالك دول قد تكون فيها المسيحية الدين الرسمي ، وهنالك دول لا تعترف بدين رسمي للدولة ، وبالرغم من ذلك نوضح بأنه أيا كان دين الدولة فالدين في كثير من الأحيان لا يقبل الممارسات الرسمية التي تقوم بها السلطة الحاكمة ، فالغرب بحاجة اليوم اكثر من أي وقت مضى أن يعود إلى أصوله والى جذوره المسيحية لكي يصبح أكثر إنسانية ودفاعا عن حقوق الانسان ، وفي الولايات المتحدة الأمريكية بنوع خاص نعتقد بأن عودة إلى المسيحية الأصيلة وليس المسيحية المشوهة التي تنادي بها بعض الكنائس البروتستانتية من شأن هذه العودة أن تشعر أمريكا بجسامة ما ترتكبه من أخطاء بدعمها للاحتلال واحتلالها واستعمارها لبعض الدول أخرى .
س.4 تحدث عن العرب المسيحيين تاريخ ما قبل الاسلام وما بعد الاسلام (المعاصر) ؟
المسيحيون العرب كانوا قبل الاسلام منذ أن تأسست الكنيسة المسيحية حيث يذكر كتاب أعمال الرسل عندما يتحدث عن تأسيس الكنيسة الأولى في القدس بأنه كانت جماعة عربية مسيحية (أنظر سفر أعمال الرسل الاصحاح 2 عدد 11)، إضافة الى الجماعات المسيحية الأخرى هذا يعني أن وجود العرب المسيحيين له تاريخ يمتد لألفي عام قبل الاسلام وأثناء مجيء الاسلام وبعده ، ولا بد من التنويه هنا إلى حادثة تاريخية هامة حدثت في القدس عندما جاء خليفة المسلمين عمر بن الخطاب إلى المدينة المقدسة فاستقبله بطريركها الأرثوذكسي الدمشقي صفرونيوس مع من كان معه من المسيحيين العرب المقدسيين ، وكان لقاء عمر مع صفرونيوس معبرا جسدته العهدة العمرية التي ما زالت محفوظة حتى اليوم في بطريركية الروم الأرثوذكس بالقدس ، وبعد مجيء الاسلام كان المسيحيون والمسلمون معا في المشرق العربي الكبير ، فتفاعلت ثقافاتهم لأنهم كانوا يعيشون معا وأصبحت هنالك ثقافة للحوار والتواصل والتعاضد والوحدة الوطنية ، فالحضور المسيحي الاسلامي المشترك هو سمة من سمات مشرقنا العربي والكنائس والمساجد التي تتلاصق وتتقارب في كثير من المدن العربية إن دلت على شيء تدل على هذا التقارب وعلى هذه الوحدة في المصير والهموم المشتركة ، لا بل نحن نعتقد بأن الثقافة الروحية في مشرقنا العربي المسيحية والاسلام هما من مكوناتها الاساسية ، وبتر أحد هذه المقومات يشوه وضعنا وواقعنا ، ولذلك يجب نبذ التطرف والتقوقع والانفتاح على الآخر بروح من المحبة والثقة والوئام ، فالمسيحية والاسلام هما توأمان لا ينفصلان في مشرقنا وكان التفاعل بين المنتمين اليهما تفاعلا قويا نلمسه في كثير من المجتمعات العربية .
والعرب المسيحيون في كل هذه المراحل التاريخية الأنفة الذكر كان لهم باع كبير في نشر الثقافة والعلم والأدب ، واليوم خاصة في القرن العشرين وقبله بقليل كان العرب المسيحيون من رواد النهضة العربية الثقافية ومن رواد العمل الوطني الهادف الى الانعتاق والتحرر من كافة أشكال الاستعمار والاحتلال ، والتاريخ العربي الحديث يشير بالبنان إلى كثير من الرموز المسيحية ، وأعني شخصيات كثيرة مسيحية بارزة إذ أن هنالك قائمة طويلة عريضة بأسماء مناضلين ومكافحين ومفكرين وأدباء عملوا خلال الفترة المنصرمة من أجل تحرير بلادهم وتعزيز الثقافة والأصالة الإبداع ، ونحن في فلسطين نفتخر كمسيحيين عرب فلسطينيين بأن هنالك أسماء فلسطينية كثيرة كانت مناضلة ومكافحة في سبيل المسألة الفلسطينية وتحرير شعبنا من الاحتلال ، نحن نعتقد بأن هؤلاء المناضلين المسيحيين كانوا دائما جنبا الى جنب مع إخوتهم المسلمين في كافة الميادين الوطنية ، ونحن لا نميز بين هذا وذاك فالمناضل والمجاهد أيا كان دينه هو يعمل من أجل أنبل قضية عرفها التاريخ الحديث أعني قضية فلسطين .
س. 5 فلسفة الديانة الاخلاق والتراث الفلسطيني المسيحي وكيف يتفاعل مع التراث الاسلامي ؟
كما أسلفنا المسيحيون والمسلمون في بلادنا اخوة ينتمون الى شعب واحد وقضية واحدة ، وعندما يعيش الناس مع بعضهم البعض تتفاعل ثقافاتهم وافكارهم وهذه نتيجة طبيعية للوجود والحضور المشتركين للمسلمين والمسيحيين ، وهذا الحضور المشترك هو إثراء لتعزيز القيم الاخلاقية النبيلة التي يسطرها القرآن والانجيل ، ولعل الخبرة الفلسطينية في هذا المضمار متميزة وفريدة لا بل أن الحضور الاسلامي المسيحي المشترك هو ميزة أساسية من ميزات تراثنا وثقافتنا وديننا ، حتى وان كانت هنالك محاولات لإثارة الفتنة في صفوفنا وبين ظهرانينا إلا أن ثقافتنا العربية الفلسطينية هي ثقافة فيها وجود وحضور للمسيحية والاسلام ، والمهتم بهذا الشأن يمكنه أن يلمس ذلك في كثير من الكتب والمراجع التاريخية ، وكذلك الشعراء والمفكرين ، لا بل هنالك في محيطنا العربي مسيحيون يقولون بأن الاسلام جزء من تراثهم كما أن هنالك مسلمون يقولون أيضا بأن المسيحية هي جزء من تراثهم ، ونحن نقول بأن حضارتنا وثقافتنا هي اسلامية مسيحية ومسيحية اسلامية وعربية فلسطينية.
س. 6 تحدث عن البعد الثقافي للديانة المسيحية في القدس كمركز حوار ديني ؟
نحن في كثير من الأحيان نشبه القدس كلوحة فسيفسائية مكوناتها الكثير من التراثات الروحية والتعددية الدينية إن نظرة واقعية للقدس تجعلك مقتنعا بأن القدس هي أفضل بيئة للحوار لأنها حاضنة لأقدس المقدسات وفيها المؤمنين الذين ينتمون الى الديانات التوحيدية الثلاث .
نحن في المسيحية نعتقد بأن القدس هي عاصمتنا الروحية إضافة الى كونها بالنسبة إلينا كعرب فلسطينيين عاصمتنا الوطنية أيضا .
إنها عاصمتنا الروحية لأن فيها تأسست الكنيسة وفيها أقدس مكان مقدس يحتضن ضريح السيد المسيح ، ومقدسات القدس هي محج للمؤمنين المسيحيين ، وكعرب فلسطينيين نقول بأنها مدينة عربية فلسطينية يجب أن تكون عاصمة للدولة الفلسطينية المستقبلية ، ويمكن للقدس أن تكون مدينة للحوار وهي مؤهلة لكي تكون هكذا ولكننا نعتقد بأن وجود الاحتلا ل وسياسة حصار المدينة المقدسة وتهويد القدس هذه الممارسات لا تفسح المجال لوجود بيئة مناسبة للحوار بين أصحاب الديانات ، الحوار المثمر لا يمكنه أن يكون موجودا مع ضغوطات نفسيه واجتماعية ومع وجود الاحتلال والهيمنة والظلم .
إننا نعتقد بأن مدينة السلام هي أبعد ما تكون عن السلام وهي حزينة وجريحة لأنها تعاني من الاحتلال الإسرائيلي ، وأهلها العرب الفلسطينيون يعانون ويتألمون ويعاملون وكأنهم غرباء وعابري سبيل وضيوف في مدينتهم المقدسة .
ولكن بالرغم من هذه الظروف الصعبة التي تعيشها القدس تبقى هنالك محاولات وان كانت متواضعة من أجل الحوار، وتبقى القدس حاضنة للثقافة والفكر والأصالة إنها مدينة الله التي اختارها لكي تكون موطئا لأبراره وقديسيه ، إنها قطعة من السماء على الأرض لا يمكننا حصر حديثنا عن القدس بكلمات فالكلمات دائما مقصرة في التعبير عن سمو وقداسة وتميز هذه المدينة.
