لارسن و "السلطة"..من التقبيل إلى الترحيل
بقلم : د. إبراهيم حمامي *

د. إبراهيم حمامي

مرة أخرى تثبت "سلطة أوسلو" جهلها التام بقواعد العمل السياسي وتثبت حالة التخبط والعشوائية التي تعيشها والتي إنعكست سلبا على كل النواحي الحياتية في وطننا المحتل بعد ردة الفعل غير المدروسة على تقرير تيري رود لارسن والتي أودت بما حققه شعبنا من خلال صموده بصدور قرار محكمة العدل الدولية.

لتقييم ردة الفعل هذه يجب تناول تقرير لارسن بالتحليل وأقول هنا ودون إطالة أن التقرير كان ذا شقين: الأول يتهم فيه الشعب الفلسطيني برمته أنه المسؤول عن تدهور الأوضاع في المناطق المحتلة محولا الجلاد إلى ضحية والضحية إلى وحش إرهابي لايرحم بشكل ظالم و وغير عادل وأستطيع القول أنه مقصود لإمتصاص النقمة الشارونية على الأمم المتحدة وقرارها في محكمة العدل الدولية والذي تجاهله لارسن تماما رغم أهميته، أما الشق الثاني فكان تحليلا لأداء "السلطة" ورئيسها وسردا لمفاسدها وإحتمالات إنهيارها.

لا أختلف مع أحد أن التقرير بمجمله مجحف ومنحاز ويفتقر لأية مصداقية وأوافق أنه يستحق ردة فعل قوية وحازمة إحقاقا للحق وأعترف أنه لابد من موقف واضح وصريح ولكن هل فعل قادة أوسلو الأشاوس ذلك؟ واقع الأمر يؤكد العكس فقد بدأ الملقن أبو ردينة السيرك الخطابي بإعتبار تيري لارسن شخص غير مرغوب فيه ولايسمح له بدخول أراضي "السلطة" موحيا بأنها سلطة ذات سيادة وتمارس حقها في السماح والمنع متناسيا أنه هو وسيده القابع في غرفته في رام الله يحتاجون لإذن من شارون لقضاء حاجتهم! بعدها تعددت التصريحات العنترية الرنانة تهدد وتتوعد ولكن ليس فزعة للشعب والقضية (وأعني الشق الأول من التقرير) ولكن لأن لارسن تعدى على الذات العليا لرمز الأمة والشعب كما ورد في أحد البيانات وتجاوز كل الحدود والخطوط الحمر بإنتقاده للرمز الأبدي عرفات أما الشعب المسكين فلا بأس أن يتهم ويحمل مسؤولية كل شيء!

تيري لارسن كان الزائر المفضل لدى هذا الرمز وحظي خلال العامين المنصرمين بنصيب الأسد من القبلات الرئاسية على وجنتيه وجبينه وكاد يحصل على أعلى الأوسمة لأنه بقي مخلصا وزائرا لاينقطع لمبنى المقاطعة وبعد إتهامه خلال هذين العامين بالتحيز للفلسطينيين ومحاولة إلصاق تهمة فساد به كانت وراءها دوائر الإحتلال، لكنه الآن أصبح غير مرغوب فيه وهي سذاجة غريبة فلارسن لايتحدث بإسمه والتقرير ليس رأيا شخصيا ولكن رأي الأمم المتحدة بمؤسساتها بغض النظر عن محتواه وهذا ما أكده كوفي عنان في دعمه المطلق لمبعوثه ورفضه لدعوات "السلطة" لتغييره ومنحه سلطات إضافية لإنجاز مهامه.

بعد كل هذه الغوغائية والتخبط الأعمى "لحست" سلطة أوسلو كلامها وتحولت إلى حمل وديع مسالم وخرج ناصر القدوة ليؤكد في لقاء مع الجزيرة انتقاده للتصريحات التي أدلى بها لارسن، وقال إن الإعلان جاء على خلفية الانتقادات التي وجهها لارسن للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات التي أثارت "غضب" المسؤولين الفلسطينيين (لم تهتز لهم شعرة لباقي التقرير الذي يحمل إدانة لكل الشعب!) ،و أنه ما من قرار إتخذ بمنع السيد لارسن من دخول مناطق "السلطة" -رغم أننا جميعا سمعنا أبو ردينة وهو يحدد الإربعاء موعدا لتطبيق القرار "السيادي"- وأن الموضوع لازال قيد الدرس وهو ما زاد في الإزدراء لهذه القرارات ومن صدرت عنهم.

طريقة التعامل تلك وردة الفعل التي كان عنوانها الإعتداء والتطاول على الرمز (وليس الشعب) عادت بي للتساؤل لماذا صدر التقرير أصلا بهذا الشكل وكيف كان من الممكن التعامل معه؟ إذا حيّدنا العوامل الخارجية الأخرى نجد أن تصرفات وممارسات سلطة أوسلو كانت عاملا أساسيا في تحميل شعبنا المسؤولية فهي تبرز دائما رغم عجزها وشللها على أنها رئيس وحكومة ووزراء ...الخ معطية الإنطباع أنها ند وغريم للطرف الآخر وبالتالي يجب أن تتحمل مسؤوليتها الأمنية القمعية.

إذا أضيف لذلك التنديد المستمر من قبل السلطة لكل أشكال المقاومة بما فيها قذف الحجارة وقرارات وقف إطلاق النار العرفاتية المتكررة وإتفاقات الهدنة من طرف واحد والسكوت عن جرائم الإحتلال المتكررة نجد أن تيري لارسن لم ينشر في تقريره إلا ما سبق وأن إتهمت "السلطة الوطنية المباركة" شعبها ونضاله به.

الأهم من ذلك هو أن وجود "السلطة أصلا يعد مبررا كافيا لتحميلها وتحميلنا معها مسؤولية ما يجري، ترى كيف كان سيظهر تقرير لارسن لو أن هذه "السلطة" غير قائمة ولايوجد في الساحة إلا الإحتلال البغيض والذي يتستر وراء سلطة أوسلو ويتهرب بكل جرائمه من المساءلة بحجة أنها مناطق خاضعة للسيطرة الفلسطينية!

تقرير لارسن ليس الأول ولن يكون الأخير وشعبنا بات متهما أنه يصرخ عند ذبحه مما يزعج الجلاد ومتهما بأنه يتسبب بالتلوث بسبب بيوته المهدمة وبنيته المدمرة أما سلطتنا الأبية ورموزها فلا همّ لهم إلا الصفقات والإمتيازات حتى وإن كان ثمنها دما فلسطينيا.

السؤال الأخير الذي يجب أن نجيب عليه هو ماهية الطريقة المثلى للتعامل مع هكذا تقرير ظالم وجائر ومنحاز. بالتأكيد الرد ليس بالعنتريات ولابالتصريحات الرنانة والخطوات غير المتزنة والتي نندم عليها لاحقا ولكن بشكل مدروس ومترو نعترض فيه على المغالطات ونصحح المفاهيم ونحاور صناع القرار ولنا في محكمة العدل الدولية خير مثال أما إذا أردنا أن ندير ظهرنا للجميع فلتتخذ هذه"السطة" قرارها بذلك بدلا من العشوائية وعمى البصر والبصيرة وعمى الألوان وتعلن فشلها وإنتهاءها.

* د. إبراهيم حمامي : طبيب وناشط فلسطيني
DrHamami@Hotmail.com
تاريخ النشر : 09:08 28.07.04