كريستن هلفورسن تبكي عرفات
بقلم : نضـال حمد ـ اوسلـو

منذ أن رحل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات انهمك بعض أبناء وأصدقاء فلسطين في النرويج بالعمل من أجل إعطاء هذا الرجل حقه. وقد حرصت الجالية الفلسطينية في النرويج على إظهار الوجه الحضاري الحقيقي لشعب فلسطين المجرب. فكانت مراسيم العزاء برمز فلسطين جامعة ومتينة، جمعت بين الفلسطينيين بمختلف انتماءاتهم، وتجسدت في وداع الختيار أبو عمار الذي اعتادوا عليه خلال خمسين عاما من عمر الكفاح والثورة بكل سلبياتها وإيجابياتها.

أقيمت الفعاليات التي تخص رحيل الختيار في اوسلو بشكل حضاري ومنظم، كما قامت الجالية بالمشاركة الفعالة في بيت العزاء الذي أقامته السفارة الفلسطينية حيث شاركت في استقبال الضيوف وتقبل التعازي جنبا إلى جنب مع السفارة، كما قامت بتخصيص مكان مقابل السفارة حيث علقت صور الرئيس عرفات وأعلام فلسطين، كما أضاءت الشموع ونثرت الورود في المكان، وأصدرت بيانا نعت فيه الرئيس عرفات. ثم تكلل ذلك كله بمسيرة المشاعل التي أعدتها الجالية الفلسطينية بالتنسيق مع أصدقاء وأنصار فلسطين ومع نقابات العمال النرويجية التي تعتبر أكبر واهم أصدقاء الشعب الفلسطيني في النرويج.

قضيت معظم وقتي في سفارة فلسطين أتقبل التعازي مع الأخوة والأخوات العاملين في السفارة، وقد لفت انتباهي الاهتمام الكبير الذي أبداه الرسميون من سفارات دول عالمية مختلفة، ومن ناس عاديين من كل الجنسيات والمللّ. لكن أهم ما لفت انتباهي هو دموع كريستن هلفورسن، رئيسة حزب اليسار الاشتراكي النرويجي، التي جاءت إلى السفارة الفلسطينية تحمل بيدها باقة ورود بيضاء، وضعتها أمام صورة الرئيس عرفات، ثم همت بتدوين كلمة في سجل التعازي، دونتها بالحبر والدمع، فقد انسابت دموعها على خدها، فبدت كمن فقد قريبًا أو صديقًا، قدمت تعازيها بكلمات خنقتها غصة ودموع حزينة. رافقتها من الطابق الثامن إلى سيارة الأجرة التي كانت بانتظارها على الشارع أمام مبنى السفارة، وفي المصعد قالت لي انه ليوم حزين فعلا بعد رحيل عرفات ، قلت لها هذه سنة الحياة، مات ياسر عرفات لكنه شعبه لم يمت وسيواصل المشوار.

كريستن هلفورسن سياسية نرويجية شجاعة ومحبوبة، تقود حزبها الاشتراكي اليساري منذ سنين عدة، وتعتبر من النساء القويات في الحياة السياسية النرويجية، وقد فرضت إيقاعها وصوتها في البرلمان وعلى الشارع، ولا تكاد تمر مناسبة تضامنية مع فلسطين أو العراق إلا وتكون هي في طليعة الموكب وفي مقدمة المتحدثين. ترفع صوتها عاليا وتطالب وتردد شعارات ضد الحرب والسياسة العدوانية الإسرائيلية والأمريكية. وقد كان لي شرف التعرف عليها في تلك الساحات الشعبية العريضة حيث يعلو صوت الحق وتخبو أصوات المدافع الأمريكية والأبواق الصهيونية. وقد حصل أن التقيت بها عدة مرات في مناسبات عدة لم يكن آخرها الأسبوع الماضي في مؤتمر لحزبها حيث كنت احضر جزءاً منه خصص للقضية الفلسطينية والسلام في الشرق الأوسط، فقد خرجنا جميعا من احدى القاعات بعد انتهاء احدى المحاضرات وتوجهنا الى القاعة المخصصة للسلام في شرق المتوسط. حصل أن تأخرنا قليلا عن موعد بدء المحاضرة، حيث كانت كل من الناشطة نورا انغدال و الباحثة هيلدا هنريكسن صاحبة الكتاب المثير عن مفاوضات اوسلو السرية من المتحدثات. المهم لم نجد الكثير من الأمكنة لكن في الختام جلسنا كلنا وبقيت كريستن في المؤخرة، حيث وجدت مقعدا فارغا جلست عليه في آخر القاعة لوحدها، خلفنا كلنا.

في يوم ياسر عرفات اختلطت دموع المحبين و أصدقاء فلسطين مع دموع الأبناء والأنصار، وقد شاهدت دموع "نصرة" الاريترية وهي تشعل الشموع لروح ياسر عرفات الذي عرفته وهي طفلة حيث كان والدها مع الجبهة الشعبية لتحرير اريتريا في بيروت الثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية. بكت نصرة كما بكت كريستن وكما بكت سيدة إيرانية من منظمة مجاهدي خلق، و لفت انتباهي أيضا وقفة مميزة وقفها سفير كوبا في النرويج أمام صورة الرئيس عرفات، حيث كادت عيناه تذرفان الدمع.

رحيل أبو عمار أقض مضاجعنا وترك سؤالا صعبا لا بد من الإجابة عليه قبل فوات الأوان، فقد كنت أقرأ هذا السؤال"من سيملأ الفراغ ومن سيكون سيد الدولة بعدما رحل سيدها الأقوى؟".. في عيون كل الذين قدموا ليقدموا تعازيهم ودموعهم وتضامنهم مع شعب فلسطين في محنته.

نضـال حمد ـ اوسلـو
12-11-2004