حركة فتح والسلطة في ظل غياب عرفات
بقلم : سري سمور/جنين/فلسطين
تاريخ النشر : 01.12.04

لعل أهم لاعب على الساحة الفلسطينية وأكثر طرف تحت المراقبة داخليا وخارجيا هي حركة فتح بتشكيلاتها وأطرها، فطوال العقود المنصرمة ظل ياسر عرفات ممسكا بخيوط فتح وجامعا لتياراتها المتناقضة ولأشخاصها المتصارعين وظل مهيمنا على قراراتها وقاسما مشتركا بين كل تناقضاتها.

الآن رحل عرفات والجميع يؤكدون سواء من الفتحاويين أو من غيرهم ، أنه ليس ثمة ياسر عرفات جديد بل هناك مؤسسات أو مجموعة أشخاص يتقاسمون الأدوار والنفوذ، وعند الحديث عن فتح كحركة لا يمكننا إلا الحديث عن السلطة التي قال الفتحاويون أنها مشروع فتحاوي ولكن لوحظ أن حركة فتح أصبحت مشروعا أو حتى مؤسسة تابعة للسلطة وهو ما حذر منه عدد من كوادر فتح ولكن دون جدوى ليغدو الحديث عن فتح كحركة لا يختلف كثيرا عن السلطة كمرحلة من مراحل عمل تلك الحركة.

محاور التنافس والصراع

هناك أكثر من محور للصراع والتنافس والاستقطاب داخل حركة فتح ولكننا نستطيع إجماله بالنقاط التالية:-

1) هناك صراع بين العائدين من الدول العربية وبين المقيمين، فمن هم على الأرض يعتبرون أنهم قاوموا بالحجر وزج بهم في السجون وحرم كثير منهم من إكمال دراسته وهم سبب رضوخ إسرائيل لجزء من المطالب الفلسطينية واعترافها بالفلسطينيين كشعب وأن من كانوا في الخارج خاصة في البلدان البعيدة عن فلسطين لم يدفعوا ضريبة تؤهلهم لصنع القرار الوطني لأنهم ببساطة عاشوا منعمين مرفهين ولم يتردد بعض أبناء فتح الداخل بترديد كلام الشاعر العراقي مظفر النواب :
"وهذا الثوري المتخم بالصدف البحري في بيروت
تكرش حتى عاد بلا رقبة!"

ولكن فتح الخارج يردون على هذا بأنهم هم من أحيا القضية الفلسطينية في المحافل العربية والإسلامية والدولية ومنع تمرير مؤامرات تصفيتها وأنهم عانوا من بطش الحكومات العربية وقاوموا الدولة العبرية وكانوا عونا لمن هم في الداخل ويذكّرون دوما بمعركة الكرامة ومذابح أيلول واجتياح بيروت وغير ذلك، ثم أنهم ينفون تعميم العيش المرفه على الجميع ويضربون الأمثلة عن قسوة العيش و بؤس الظروف في معسكرات الصحراء الليبية وغيرها.

وللحقيقة فإن الصراع بين الطرفين خفت حدته في انتفاضة الأقصى وتحديدا بين من هم في ساحة العمل الميداني فوجدنا العديد من أبناء الأمن الوطني الذين كانوا خارج فلسطين يقاومون ويستشهدون جنبا إلى جنب مع إخوانهم ممن ولدوا وترعرعوا في فلسطين، ولكن الصراع بقي على حاله بل ازداد حدة ووضوحا بين من تقلدوا مناصب مدنية أو عسكرية؛ أبناء الداخل من هؤلاء سعروا حملتهم ضد أبناء الخارج والعكس صحيح ولقد شاهدنا بيانات تحريضية وحتى اعتداءات في أكثر من مكان على خلفية الصراع بين العائدين والمقيمين ولا يزال الاستقطاب مستمرا فأصحاب المناصب القادمين من الدول العربية استقطبوا إلى جانبهم عددا من المقيمين. وأود أن أؤكد أن المال له دور كبير في الاستقطاب.

2) هناك صراع بين الحرس القديم وبين جيل الشباب ولكنه صراع يظهر ويختفي لأن رجال الحرس القديم نجحوا في جذب عدد من القادة والكوادر من الجيل الشاب فنحن نعلم وشاهدنا جذب محمود عباس وهو من الحرس القديم لمحمد دحلان وهو من جيل الشباب ليتحول الصراع إلى صراع مواقف وأفكار وهو ما سآتي عليه لاحقا.

3) هنا أريد التحدث عن قضية حساسة ولكنها أمر واقع وهي الصراع الجهوي والمناطقي والعائلي، هناك فتح المدينة وفتح المخيم وفتح الريف هناك فتح الضفة وهناك فتح غزة هناك فتح عائلة(سين) وهناك فتح عشيرة(ص) هناك فتح الموالون لزيد وهناك فتح الموالون لعمرو!هذا أمر يعلمه كل فرد في الشارع الفلسطيني رغم غيابه عن وسائل الإعلام التي تتجنب الحديث عن هكذا قضايا، والصراع يدور حول توزيع المناصب والامتيازات وأيضا تطل قضية المال هنا أيضا ومن أمثلة هذا الصراع أن حركة فتح في مخيم جنين ترى لأبنائها الحق في المواقع القيادية في منطقة جنين نظرا للمعركة التي دارت في المخيم وأنه لا يحق لأبناء فتح الريف أو المدينة المطالبة بالتساوي مع أبناء المخيم عند توزيع المناصب، طبعا أبناء الريف وأبناء المدينة يقدمون مبرراتهم لدحض هذه الحجة بالقول مثلا: أنهم ساعدوا أبناء المخيم وقاموا بإيواء العائلات التي شردت وأن العديد منهم تسلل للقتال في المخيم وأن المخيم كان تحت الحصار لذا لم يتمكنوا من إرسال السلاح والرجال إليه وبالتالي يريدون حصتهم من "الغنائم"، وحالة جنين والمخيم تنطبق على نابلس ومخيم بلاطة وبيت لحم ومخيم الدهيشة وبقية المناطق وهنا كالسابق المال يلعب دورا رئيسيا في هذا الصراع!

4) أعود هنا إلى صراع الرؤى والمواقف والأفكار؛ هناك فريق يرى ضرورة السير مع أمريكا والحصول على ما يستطيعون من تنازلات إسرائيلية بالطرق السلمية ولا يتردد فريق من هؤلاء بالاقتراب من المحرمات الفلسطينية وحتى الفتحاوية فهم على استعداد للتنازل عن حق العودة والقبول "بقدس" غير القدس!وقمع حركات المقاومة لأنها"تضر بمصالح الشعب الفلسطيني" وهم على استعداد لتطبيع العلاقات مع إسرائيل دون تنازلات سياسية بل تكفيهم "ابتسامة" ومصافحة من مسؤول إسرائيلي أو زعيم حزب يساري، هذا الفريق يجمع كهولا وشبانا عائدين ومقيمين، ينافسه فريق آخر يرى أن من الضروري مقاومة الاحتلال وهنا ينقسم هذا الفريق على نفسه بين المقاومة في حدود 1967 وبين توسيع العمل وضرب أهداف في حيفا وتل أبيب، ويرى هؤلاء أن إسرائيل لن ترضخ بالتفاوض وحده بل بالتوازي مع التفاوض -الذي يفترض أن يقود لدولة فلسطينية في حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس- يجب استمرار وتصعيد المقاومة ويرون أن إسرائيل في أوج العملية التفاوضية كانت تقتل وتعتقل وتهدم البيوت فيجب أن يرد عليها بالمثل ويبدي هؤلاء تخوفهم من سيطرة الحركات الإسلامية على الموقف إذا تخلت فتح عن المقاومة المسلحة، وبين هذا وذاك هناك أفراد من فتح يرون أن الحل يكمن في نبذ التفاوض والعودة إلى بدايات فتح عام 1965 والتنسيق مع كل حركات المقاومة في الداخل والخارج لتصفية الدولة العبرية واقتلاعها وإقامة دولة فلسطين الديموقراطية العلمانية على أنقاضها مهما أخذ هذا الهدف من وقت أو تضحيات وهؤلاء لا يحظون بدعم مالي ويتم التضييق عليهم من الفريقين السابقين ويتعرضون لأشد الضغوطات لذلك لا تكاد تسمع لهم صوتا.

مستقبل التركة

يتضح لنا أن عرفات ترك وراءه إرثا كبيرا ومختلطا وأعيد التأكيد على أن المال يلعب دورا مركزيا في حسم العديد من الصراعات داخل حركة فتح ذلك أن الثقافة التي تشربها عناصر فتح هي أن العمل والنضال له مقابل مادي أو منصب داخل السلطة وهذه النظرة طغت على الحركة وهناك قول يردده بعض أبناء فتح:"من يملك المال يملك القرار"، طبعا المال وحده لا يكفي لكسب الشارع وتسيير الدفة فمثلا حزب الشعب (الشيوعي سابقا) يحظى بدعم مالي أوروبي كبير من خلال مؤسساته التي يتحكم بها عناصره ومن يدورون في فلكه (الإغاثة الطبية، الإغاثة الزراعية، الهيدرولوجيين ومؤسسات نشر الديموقراطية وغيرها) ورغم ذلك لا تكاد ترى لحزب الشعب على الأرض وجودا ونسبة تأييدهم تقارب الصفر؛ فالمال على أهميته لا يكفي فهناك أمور أخرى وهو ما تدركه فتح وقياداتها لذا ستسير أمور حركة فتح على النحو التالي:-
  • سيستمر أغلب قادة فتح والسلطة بإنكار ونفي وجود صراعات وأن هناك وفاقا داخل الحركة وأن الخلاف في وجهات النظر أمر طبيعي...إلخ

  • سيستمر العمل بأسلوب الترضيات والصفقات لذا قد نرى تعيينات في المجلس الثوري وترفيع بعض أعضاء المجلس الثوري إلى اللجنة المركزية وإرضاء البعض بمناصب ورتب وامتيازات لضمان تمرير بعض الأمور كالمعتاد.

  • ستحسم الانتخابات جزءا من الصراع ولقد اختارت فتح محمود عباس(أبو مازن) كمرشح لرئاسة السلطة وفوزه مضمون ما لم تحدث مفاجآت ولكن حالة الاستقطاب ستظل قائمة بين معسكر عباس ومعسكر القدومي ونحن لا زلنا نتذكر الخلاف بين القدومي وشعث حول تمثيل فلسطين وكما يمتلك عباس المال يمتلكه القدومي أيضا، والتصويت في الانتخابات الداخلية لحركة فتح ستلعب به الأموال والصفقات دورا كبيرا.

  • سيتم استبعاد فكرة حكومة الوحدة الوطنية والقيادة الوطنية الموحدة وسيعمل لوبي "البزنس" على مقاومة الداعين إلى تبني هذه الفكرة داخل حركة فتح وسيتم الاكتفاء بعبارات الدعوة إلى الوحدة والتلاحم ورص الصفوف في وجه التحديات والوعي التام في هذه المرحلة الدقيقة والالتفاف حول المصلحة الوطنية العليا إلى آخر المعزوفة إياها!

  • الرقابة ستكون شديدة سواء من الشعب أو المؤسسات الدولية لذا سينحسر الفساد أو سيصبح أكثر "تنظيما" من ذي قبل ولن يتردد الشعب بالإشارة بأصابع الاتهام ورفع الصوت في وجه أي مخالفة أو حالة فساد وسيطالب بمحاسبة الفاسدين.

  • سيتعزز دور العمل المؤسساتي ليطغى على الجانب الشخصي في مؤسسات السلطة وهذا يتطلب إقصاء أو استقالة أو اعتزال الأشخاص الذين قد يواجهون أي محاولة للمس بمكانتهم ومكتسباتهم ولكن إبعادهم أمر شبه مؤكد على الأقل لكسب نوع من الثقة ولإرضاء الأوروبيين والأمريكيين.

  • هناك من سيستمر في المقاومة وأعني هنا جزءا (وليس جميع) من عناصر كتائب شهداء الأقصى وسأتناول موضوع الكتائب في المقال القادم.

  • هناك من سيرتمي في حضن الأمريكيين والإسرائيليين والأنظمة العربية الموالية لواشنطن وسيحاول القضاء على المقاومة مستغلا الضربات الكبيرة التي تلحقها إسرائيل ولا تزال بفصائل المقاومة.

  • هناك من سيعتزلون ويبدأون في إبداء رأيهم في مجريات الأمور لوسائل الإعلام وغيرها مما قد يدفع المتأسرلين لشن حملة تضييق على وسائل الإعلام.

  • لن يجرؤ أحد (على الأقل في المرحلة الراهنة) على تقديم تنازلات جديدة تتعلق بالقدس واللاجئين ولكن ستستمر عمليات التهيئة ورمي "الفتاشات" من قبل حركات هي اسم بلا جسد كحركة "فدا" وأشخاص "فتحاويون بلا فتح" مثل ياسر عبد ربه وبعض أبناء الطبقة الأرستقراطية الفتحاوية مثل حنان عشراوي وسري نسيبة وبسام أبو شريف ووجوه قد يتم إبرازها للعب هذا الدور.

  • لعل هذه أبرز ملامح الحالة الفتحاوية وحال السلطة بعد وفاة عرفات والأمر بالإضافة للوضع الداخلي مرهون بوضع المنطقة الذي يبدو متفجرا وبتصرفات وخطط الدولة العبرية ومن خلفها الولايات المتحدة.

    سري سمور/جنين/فلسطين
    sari_sammour@yahoo.com